أرشيف ‘قصائد جميلة’ التصنيف

كذبا وزورا

يوليو 28, 2008

كَذِبًا وزورًا وافتِراءً سَيِّدي
أن قُلتُمو : هذا اختِيارْ
هذا اضطِرارٌ لا خيارْ
فسفينةٌ قد أوشَكَتْ نحوَ الغَرقْ
وجميعُ رُكَّابِ السَّفينةِ عاجِزونَ
وليسَ في يَدِهِمْ قَرارْ
طَعمُ المرارةِ غُصَّةٌ بِحُلوقِنا
يا غُصَّةً في حَلقِنا مِن نارْ
أرهَقتَنا ، وقتلتَ فينا عِزَّنا ،
ومُروءَةً كانتْ لأخذِ الثَّارْ
ورفعتَ كَفَّكَ للعِدى مُستسلِمًا
وجَلَبتَ للتاريخِ كلَّ العارْ
يا سادَتي
جئنا بكُمْ حتى تَرُدوا المعتدينْ
والآنَ حُكمُكُمو لَنا
هو أسوأُ استِعمارْ
***
فَرَّغتَ جيلاً كاملاً مِن نَشئِهِ ،
مِن عِلمِهِ ، أحلامِهِ
ما عادَ فينا في البيوتِ صِغارْ
كَبِروا جَميعًا ..
حتى رأينا طفلَنا ..
سِتونَ عامًا عُمرُهُ ..
ما عادَ يَلهو عندَ بابِ الدَّارْ
في كلِّ صُبحٍ نَلتَقيكَ وفي المَسا
وعلى الدروبِ ، وفوقَ كلِّ جِدارْ
أنا ما رأيتُ ..
العمرَ غيرَكَ مِن أحَدْ
وأظنُّ أني لنْ أرى
ماذا سأفعلُ ؟
إنها الأقدارْ
***
إنْ كنتَ فينا تستبيحُ مُخَيَّرًا
إنَّا جميعًا ..
في العذابِ مُسيَّرونْ
نحنُ الذينَ بِلا أملْ
نحنُ الذينَ بِلا عَملْ
نحنُ الشبابُ العاطِلونْ
نحتاجُ جيلاً غاضِبًا
طُوبَى لَهمْ ..
مَن يَغضبونَ ويَسخَطونْ
أنا لا أُبرِّئُ أيَّ شَخصٍ
كلُّنا مُتضامنونَ معَ الطُّغاةْ
بِسُكوتِنا ، بخنوعِنا ، بقَبولِنا ..
مَن يُطرَحونْ
ولقد جعلناهم علينا آلِهةْ
معَ أنَّهم لا يَفقَهونْ
وخُضوعُنا أوحَى إليهِمْ أنَّنا ..
راضونْ
***
يا سَيِّدي
أسرَفتَ جِدًا في الوُعودِ
ولَم تَفِ
كانتْ وُعودُكَ مِن سَرابٍ كلُّها
فإذا اقتَربْنا مِن وُعودِكَ تَختَفي
زَيفٌ ، سَرابٌ نحنُ خُضناهُ مَعًا
تَمشي ونحنُ وراءَ غَيِّكَ نَقتَفي
يَكفيكَ ما ضَيَّعتَ مِنَّا سَيِّدي
وكَفاكَ أنتَ ، ونحنُ أيضًا نَكتَفي
ماذا ستفعلُ بالوعودِ وكلُّها كَذِبٌ
ومهما قد فعلْتَ فلنْ أُغيِّرَ مَوقفي
أدركْتُ شيئًا جاءَني مُتأخِّرًا
هو أنَّ حُكمَكَ
كانَ سِرَّ تَخلُّفي

الحُزنُ الكامِنُ في عُمقي
حُزنٌ مَجهولُ الأسبابْ
والقلبُ الساكِنُ في جَنبي
مِثلُ السِّردابْ
الحزنُ الكامِنُ في عُمقي
حزنٌ مَجهولُ الأسماءْ
حزنٌ يَتَوغَّلُ في جِسمي
حتى الإعياءْ
الحزنُ الكامنُ في عُمقي
حزنٌ مِن خوفٍ مجهولٍ
خوفٍ مِن كلِّ الأشياءْ

قالوا : القضيَّةُ مِن غَدٍ نَحوَ البِناءْ
لَمْ يُتقِنوا التعبيرَ لَمَّا عبَّروا
قد كانَ أولَى
أن يَقولوا دائمًا “نحوَ الغِناءْ”
تأتي المُناسَبةُ القريبةُ والبعيدةْ
نُلقِي ونَسمَعُ ألفَ أُغنِيَةٍ جديدةْ
تَحكي لنا وجهَ البطولاتِ العديدةْ
مِن عَهدِ “مينا”
نحنُ نَكتُبُ كلَّ ثانِيَةٍ
قَصيدةْ
عن أُمِّنا مِصرَ السعيدةْ
فإلى متى زَمْرٌ وطَبْلٌ
في الصَّباحِ وفي المَساءْ
يا رَبَّنا ..
هذي حُكومتُنا بَلاءٌ حَفَّنا
فارفَعْ بفضلِكَ غَمَّنا
كي نَستَريحَ مِنَ البلاءْ

لِمَ يا زمنْ ؟
لِمَ كلُّ هذا الاختِلالْ
كلُّ التصاريحِ ارتِجالٌ في ارتِجالْ
كلُّ الحقائقِ عِندَنا ليستْ تُقالْ
ولِذا نَعيشُ العُمرَ نَحبو
مثلَ أشجارِ الظِّلالْ
قولوا الحقيقةَ مرَّةً يا سادَتي
قولوا لَنا :
إنَّ الوصولَ إلى كّذا
شَيءٌ مُحالْ
لِمَ تُوهِمونَ بأنَّنا
مثلُ الجِبالْ ؟
لِمَ قد دَفنْتُمْ كالنعامِ
رُءُوسَكم بينَ الرمالْ ؟
قولوا الحقيقةَ مرَّةً
كي تَصنعوا مِنَّا رِجالْ

إنِّي لأعلَمُ جيِّدًا
أنَّ الضُّيوفَ تَعِسُّ في الجمعِ السعيدْ
وبأنَّني بعدَ انتِهاءِ قصيدَتي
سيُكَبِّلونَ يَدي الحديدْ
وبأنَّكم يا سامِعينَ قصيدَتي
لن تَذكُروني مِن قريبٍ أو بعيدْ
ليَموتَ نِصفُ الشعبِ ،
كلُّ الشعبِ ..
مِن أجلِ تاريخٍ جديدْ
يا أيُّها الشعبُ الذي
قد كَبَّلوهُ ..
بالتَّوَعُّدِ والوَعيدْ
هيَّا أفِقْ
وارفُضْ سَراديبَ العبيدْ
قُلْ مَرَّةً ..
قُلْ في حياتِكَ مَرَّةً ..
قُلْها وَمِتْ ..
“أنا لا أُريدْ”

عبدالعزيز جويدة

لنكن أصدقاء

يوليو 28, 2008

فَلنكُنْ أصدِقاءْ
لَم يَعُدْ بينَنا غيرُ ذاكَ المُسَمَّى
كلُّ ما كانَ بيني وبينَكِ
أضحَى هَباءْ
بُلبُلُ العِشقِ وَلَّى بَعيدًا
كَفَّ عن هَمَساتِ الغِناءْ
مُفعَمًا بالهُمومْ
حاملاً ذلكَ الجُرحَ وحدي
ماشِيًا في العَراءْ
حاملاً في ضُلوعيَ
داءً غبيًّا
ليسَ لي أملٌ في الشفاءْ
مِحنتي أنَّ حبَّكِ كانَ عنيفًا
هَزَّني حينَ وَلَّى
هدَّمَ الكونَ حولي
وضاقَ الفَضاءْ

عبدالعزيز جويدة

وأسأل نفسي

يوليو 28, 2008

وَأَسأَلُ نَفسي
وأسألُ نَفسي :
لِماذا أُحبُّكِ رَغمَ اعتِرافي
بأنَّ هَوانا مُحالٌ .. مُحالْ ؟
ورَغمَ اعتِرافي بأنَّكِ وَهمٌ
وأنكِ صُبحٌ سَريعُ الزَّوالْ
ورغمَ اعترافي بأنكِ طَيفٌ
وأنكِ في العِشقِ بعضُ الخَيالْ
ورغمَ اعتِرافي بأنكِ حُلمٌ
أُطارِدُ فيهِ ..
وليسَ يُطالْ
وأسألُ نفسي لماذا أحبُّكْ
إذا كنتِ شيئًا بعيدَ المنالْ
لماذا أحبُّكِ في كلِّ حالْ
لماذا أُحبكِ أنهارَ شَوقٍ
وواحاتِ عِشقٍ
نَمَتْ في عُروقي وأضحَتْ ظِلالْ
وأسألُ نَفسي كثيرًا . كثيرًا
وحينَ أجَبتُ
وَجدتُ الإجابةَ نَفسَ السؤالْ
لِماذا أُحبُّكْ ؟! ” “

إنْ كنتِ قَرَّرتِ الرحيلَ حقيقةً
هيَّا اخرُجي مِن وَجهِ كلِّ الناسِ
أصبحتِ كلَّ الناسِ
فأنا يُخَيَّلُ لي
يا وَيْحَ أخيِلَتي
لو كانَ لي في العشقِ مُعجزةٌ
ما كانَ غيرُكِ في الهوَى
ليكونَ مُعجزتي
صعبٌ أواجِهُ أيَّ شيءٍ ها هُنا
وأنا المُحاصَرُ دائمًا بِلَهيبِ أسئلتي
صعبٌ أصدِّقُ أنَّنا لنْ نَلتَقي
مَنْ ذا الذي سيكونُني
مَن ذا الذي سأكونُهُ
لِيَكونَ تَكمِلتي
نصفي أنا حَيٌّ ونصفي مَيِّتٌ
إنْ كنتِ تارِكتي
إنِّي أُحسُّكِ
في الحياةِ جَميعِها
في أبسطِ الأشياءْ
في تَوبَتي ..
حتى ومَعصِيَتي
صَعبٌ أُجرِّبُ بعدَ حُبِّكِ أيَّ حُبْ
أتُرَى أُحلِّقُ في السَّماءِ
بِغيرِ أجنِحَتي ؟!

يا لَيتنا لَم نَلتَقِ
وبَقيتُ طُولَ العمرِ أبعدَ ما أكونْ
يا لَيتنا لَم نَلتَقِ
مجنونةٌ
وإذا بقلبي مِثلَها مجنونْ
مَن ذا سيُنقذُنا معًا
“روما” وراءَ حريقِها “نِيرونْ”
وأنا وأنتِ كألفِ “نيرونٍ” معًا
في كلِّ شيءٍ نحنُ متَّفقونْ
لو أنَّنا لم نلتَقِ
ما كنتِ أنتِ ولا أنا سأكونْ

عبدالعزيز جويدة

مركب الأيام

يوليو 28, 2008

يسافر مركب الأيام فينا
يروح بنا و نحسبنا نروح
مزيج من تباريح و شجو
وهامات تغازلها السفوح
وأوهام وأحلام خواء
يفيق لها السوي و لا يبوح
فمنا من يظن العمر باق
إلى أبد ويخلبه النزوح
ومنا لاهث يتلو سرابا
رغاب يرتوي منها الشفوح
وما نحن سوى نزق أناني
يعشعش خلف عفته الجنوح
كأنا أحرف من دون نص
ورسمٌ فيه ينتحر الوضوح
تفاهات وأشجان وجهل
وأجسام بواطنها جروح

” إبراهيم العواجي

وحشة

يوليو 28, 2008

وحشة

جَفَّت جذورُ تَوَسُّلي فأطيعي
شَجَري فقد لَوتَ الرياحُ جذوعي
ما للفصولِ جميعُهـا مَرَّتْ ولا
بشرى – ولو طيفاً – لخطو ربيع؟
خرساءُ تَستجدي اللحونَ ربابتي
وتمـدُّ كفّاً للأمانِ ربوعي
واسْتَفْرَدَتني وحشة ومرافئٌ
مهجــورةٌ إلا شـراعُ نجيعِ
نكثتْ ضفافُكِ عهدَهـــا وَتَنَصّلَتْ
أمطارُكِ السمحاءُ من ينبوعـي
ما حيلتي ؟ لا الحبُ يشفعُ إنْ بدا
ذُلي … ولا كان الحبيبُ شفيعي
***

العيدُ ؟ أنْ أرسي بنهركُ زُورقي
وأريقَ في واديكِ دمــعَ شموعـي
أنْ تسكني مني خُلاصة مقلـةٍ
غرثى كما سَكنَ الفؤادُ ضلوعـي
هذا ربيبُ هواك يلطـم حَظَّهُ
جَزَعـاً وما كان الفتـى بجزوع
دالت به الأشـواقُ فهو مُوَزَّعٌ
ما بين مغـربِ يقظةٍ وطلـوعِ
يصحو على ليلِ فيُطبق جَفْنَـهُ
وَهْماً على شمس أوانَ هزيـعِ
فطَمَتْـهُ من لَبَنِ الهديلِ حمامـشهٌ
طمعـاً بعشبِ توسُّـلٍ وخضـوعِ
ما للذين مَحَضْتُهُـمْ تِبْرَ الهوى
جحدوا رغيفَ دمي وكأسَ دموعـي؟
يا قلبُ لا تَقْنَطْ فإنَّ رُبـى المنى
ستنامُ ذات غدٍ بحضـنِ ربيـعِ

يحي السماوي

ياهند !

يوليو 28, 2008

ياهند..!

أسألت كيف الحال ياهندُ؟
يَسُرَ السؤالُ وأعسرَ الردُّ!
حالي بدار الغربتين خطى
مشلولة فاستفحل البُعدُ
قلبي إذا أمسى على فرح
فعلى رماد فجعية يغدو
لا الريح تلثم خدَّ أشرعة
حيرى ولا الحرمان يرتدُّ
كيف السبيل إلى ضحاك وفي
مقل الغريب تأبّد السُّهدُ؟
ياهند منذ طفولتي وأنا
راع خِرافي الشوق والوجْدُ
أدريك لا تدرين ما شغفي
وإن ادعيت بأنك الندُّ
لا تفطمي قلبي.. اسقه حبباً
إن عزّ من كاساتك الرّفد
الأسر أمنيتي.. إليك يدي
أطبق.. فديتك أيّها القيْدُ
يحي السماوي

ياصديقي

يوليو 28, 2008

يا صديقي
لم لا تحمل ماضيك وتمضي عن طريقي
قد فرغنا و انتهينا
وتذكرنا كثيرا ونسينا ما تذكرنا
سنينا ما تذكرنا
سنينا ,سنينا
ورمينا
بيدينا
كل ما صناه من حب عميق
كل ما صناه من الماضي السحيق
ورؤى كانت لدينا
كل ما كانت لدينا
قد طوينا وعدنا وانطوينا
يا صديقي
لم لا تحمل ماضيك وتمضي عن طريقي
لم لا تبحث عن دنيا جديده
لم تزل في الأرض أحلام سعيدة
ثم ماذا…؟
أي جدوى لك من ذكرى بعيده
قد فرغنا
وانتهينا
وتذكر كثيرا ونسينا
ما تذكر
سنيناً
وسنيناً
ثم ضيعت عدوي من صديقي
يا صديقي
لم لا تحمل ماضيك وتمضي عن طريقي

بلند الحيدري

مسافرة ..بلا أشياء ياأمي

يوليو 28, 2008


مسافرةٌ .. بلا أشياء يا أمي

أنا الكلماتُ تحترقُ ..
على شفَتي
وأنفاسي تَهُبُّ كمثلِ نيرانٍ على رئتي
أنا قلتُ : مساءُ الخيرِ يا أمي
وما ردَّتْ
تُراها قد نسَتْ لغتي ؟
فتحتُ البابْ ،
وأغلقتُ .. ورائي البابْ
ونادتْني ليالي الأمسِ والأحبابْ
وحييتُ الذي يجلسْ ..
جواري دائمًا أبدًا :
مساءُ الخير يا حزني
فردَّ الحزنُ بالترحابْ
****
تذكرتُ ..
هنا وجهَكْ
ووجهُكِ طلَّةٌ من نورْ
وقلبًا يُشبهُ البلُّورْ
وتسبيحًا وتكبيرًا
وعطرَ بخورْ
تذكرتُ ..
هنا التنورْ
وخبزًا جافْ
وظِلَّ شُجيرةِ الصفصافْ
وضمَّةَ صدرِكِ الحاني
على طفلٍ رضيعٍ خافْ
تذكرتُ ..
دعاءَكِ في صلاةِ الفجرْ
تذكرتُ الكلامَ الحلوَ في يومٍ
تذكرتُ الكلامَ المرْ
ويومَ سألتِني مرَّةْ
عن الموتِ ،
وأولِ ليلةٍ في القبرْ
وعن حالِ السنينَ هناكْ ،
وكيفَ تمُرّ ؟
ومرَّ العمرْ
وصارَ المرُّ في حلقي
هناكَ أمَرّ
وظلَّ السرُّ مطويًا
وخلفَ السرّ
أنا مازلتُ يا أمي على قبرِكْ
هنا طفلاً ..
يبيعُ الصبرْ
أُناديكِ
وأنتظرُ .. يجيءُ الردّ
وأصبحَ بيننا سدٌ
وماذا خلفَ هذا السدّ
بدأْنا العدّ
أنا طفلٌ حديثُ العهدِ باليُتمِ
ولا أدري وماذا بعدْ
فمنْ بعدَكْ ..
عليَّ يرُدْ ؟
ومَن بعدَكْ ..
إذا قبَّلتُ كفَّيهِ..
أذوقُ الشهدْ ؟
ومن يمسحْ ..
على رأسي إذا أأسى ؟
ومن بعدَكْ ..
يُقبِّلُني لكي أنسى ؟
ومن في الصبحِ أشتَمُّ ..
بأنفاسِهْ ..
عبيرَ الوردْ ؟
****
دخلتُ الآنَ حجرتَكِ
وجدتُ النورَ قد غادَرْ
وطيبَكِ من هنا سافَرْ
سألتُ النورَ عن شيءٍ هنا ترَكَهْ
لماذا البيتُ ما عادَ
فلا صوتٌ ولا حرَكَةْ
ولا خيرٌ ولا بركَةْ ؟
هنا مازالَ مقعدُكِ
وصوتٌ من كلامِ الأمسْ
جميعًا كنَّا ننتظرُكْ
فهُلِّي مثلما أنتِ
فقد كنتِ ..
هنا بالأمسْ
وبينَ اليومِ والأمسِ
تغيَّرْنا
فلا شكلٌ ولا لونٌ ،
ولا طعمٌ ولا مَعنى
ولا أنتِ ..
هنا معَنا
لأوَّلِ مرَّةٍ في العمرِ يا أمي
نذوقُ اليُتمَ أجمعَنا
نُغمِّسُ خبزَنا اليابسْ ..
بأدمُعِنا
هنا بخَّاخةُ الربوِ ، ومِسبحَتُكْ ،
وطرحتُكِ ، وسجَّادَةْ ،
ومِذياعٌ صغيرٌ
يقرأُ القرآنَ كالعادَةْ
أتى العيدُ ولم يطرُق ْ على بابي هنا أحدٌ
تعجَّبتُ ..
تُرى قد جاءَ هذا العامُ يا أمي
بلا أعيادْ ؟
ولم أسمعْ هنا صوتَكْ ..
يُناديني
فناديتُ … وناديتُ …
وخوفٌ داخلي يزدادْ
فأين فُطورُنا أينَ
وأينَ جميعُ من في البيتِ
يلتفُّونَ من حولِكْ ؟
هنا كنَّا على ميعادْ
هنا في البهوِ ننتظرُكْ
وهذا المِقعدُ الخالي
أُحدِّقُ فيه ..
ويقتُلُني سؤالٌ دارَ في بالي
طرقتُ البابَ لم أسمعْ ..
هنا صوتَكْ
وناديتُ : أيا أمي .. أيا أُمي
فتحتُ البابَ في صمتٍ
سريرُكِ ها هنا خالِ
وِسادتُكِ ، وجلبابُكْ ، ومسبحتُكْ ،
وبسمتُكِ .. دُعابتُكِ ،
ومصروفٌ لأطفالي
وأدويةٌ مُبعثرةٌ
سؤالُكِ دائمًا عني
وعن حالي
ورُقيتُكِ ، ودعوتُكِ
ونومي فوقَ رُكبتِكِ
ونظرتُكِ ، وضمَّتُكِ ، وقُبلتُكِ
وحضنٌ فيه آمالي
بأن أرتاحَ من تعبي ، وترحالي
تساقطْتُ ..
على الأرضِ
لأنَّ العجزَ قد دبَّ ..
بأوصالي
****
أُحسُّكِ دائمًا قربي تُناديني
بكلِّ مساءْ
فأجري نحوَ غُرفتِكِ
بكوبِ الماءْ
وقُرصِ دواءْ
فلا أجدُكْ …
أضمُّكِ داخلي وأذوبْ
فلا يَبقى هنا منِّي ولا منكِ
سوى أنَّا
فَناءٌ ذائبٌ بفناءْ
وقد أعطيتِني روحًا
فحلَّقتُ ..
أنا معَكِ
بكلِّ سماءْ
فيا أمي التي اختصرَتْ بداخلِنا ..
مواسمَنا
فصرنا والسنينَ بكاءْ
مُسافرةٌ إلى أينَ حبيبَتَنا
مسافرةٌ بلا أشياءْ
حقيبتُكِ التي كانتْ
تُسافرُ دائمًا معَكِ
نراها لا تُطيقُ بقاءْ
ضَحكْتِ علينا واللهِ
وسافرتِ على استحياءْ
بغيرِ وداعْ
وسافرتِ ..
لأبعدِ نُقطةٍ في الكونِ سافرتِ
بلا أشياءْ
سِوى زادٍ من التقوى ،
وإيمانٍ كنبعِ الماءْ
تُراكِ الآنَ يا أمي
بأيِّ سماءْ ؟
****
وتعبسُ حولنا الأشياءُ معلنةً
قدومَ الموتْ
قطارٌ سوفَ يحملُنا لبلدانٍ
ونجهلُها
نسميها بلادَ الصمتْ
لدارٍ غيرِ تلكَ الدارِ يا أمي
وبيتٍ غيرِ هذا البيتْ
أُناديكِ
وأصرخُ دائمًا وحدي
بأعلى صوتْ
رجوتُكِ أن تجيبيني
وأن تَبقَيْ هنا معَنا
لبعضِ الوقتْ
****
أنا أمسكتُ بالهاتِفْ
لأطلبَ نفسَ أرقامِكْ
فكم يأتي جميلاً رائعًا ردُّكْ
إذا كانتْ مهاتفتي
مفاجأةً،
وما دارتْ بحسبانِكْ
بكِلْماتٍ تُزلزلُني ..
تردِّينَ
وتختصرينَ قاموسًا
من الكلِماتِ في ذلكْ
أُحسُّ بقلبِكِ الملهوفِ ينصهرُ
عطاءً مُرهقًا جدًّا
يُغالبُ ما بإمكانِكْ
فأيُّ حكايةٍ أنتِ
وكلُّ منابعِ الحبِّ
تصُبُّ الحُبَّ في ذاتِكْ
أنا من جَمِّ تقديسِكْ وإجلالِكْ
فلو كانَ ..
لغيرِ اللهِ مسموحٌ بأن أسجُدْ
لعشتُ العمرَ يا أمي
لأسجدَ عندَ أعتابِكْ
أنا مازلتُ والهاتِفْ
وعشرونَ محاولَةً
فرُدِّي مثلما كنتِ
وصُبِّي داخلَ الشريانِ تَحنانَكْ
فهذا اليومُ عيدُ الأمِّ يا أمي
وأغنيةٌ أنا قد عشتُ أعشقُها
وأنتِ السرُّ في ذلكْ
أتى العيدُ
وهاتفُكِ يرنُّ ولا تُجيبينَ
هداياكِ أتتْ من كلِّ أحبابِكْ
ولكنْ لم نكنْ ندري
بأنَّكِ دونَ أن ندري
هنا غيَّرْتِ عنوانَكْ
****
أنا الندمانُ من رأسي إلى قدمي
أنا ندمي
على أني تركتُكِ لحظةً في العمرِ
ما كنتِ معي فيها
فعودي لي وأُقسِمُ لَكْ
بأني كلُّ أيامي سأقضيها
لأجلسَ تحتَ أقدامِكْ
أُقبِّلُها وأحملُها على رأسي
أُهدهدُها ، أُغطيها
فقد خدعتْني أيامي
ورحلةُ عمرِنا مرَّتْ
ولم أعرفْ
تواعَدْنا على شيءٍ
أنا واللهِ لم أُخلِفْ
ولكنْ أخلفَ الموتُ ..
الذي في لحظةٍ يَخطَفْ
تخيَّلتُ ..
بأن العمرَ ممتدٌّ
وأن هناكَ متسعًا من الأيامْ
وكم كانتْ لدينا هاهنا أحلامْ
رأيتُ الموتَ في عينيكِ في يومٍ
ولكنْ خلتُها أوهامْ
حكيتِ لنا عن الماضي
تركتِ بداخلي جرحًا
كألفِ علامةِ استفهامْ
ومرَّ الوقتُ لم نُكملْ
وقد قلنا :
غدًا إن شاءَ نستكملْ
وجاءَ الغدُّ يا أمي
وهاأنذا وحيدًا ، ضائعًا ، مُهمَلْ
فبعدَكِ يا أحبَّ الناسْ
بهذا القلبِ من بعدِكْ
أنا ماذا بهِ أفعلْ
***
جميلٌ كلُّ شيءٍ فيكِ يا أمي
جميلٌ كلُّ شيءٍ كانْ
بحقٍّ كنتِ رائعةً ، ويافعةً ،
ويانعةً كما البستانْ
رأيتُكِ بسمةً تمتدُّ شلالاً
وتسكنُ مدخلَ الشريانْ
حنانُكِ عالمٌ يمتدُّ داخلَنا بلا آخِرْ
بحورٌ ما لها شطآنْ
وجودُكِ وحدَهُ كافٍ
ليبعثَ داخلي اطمئنانْ
ففي كفيكِ يا أمي
شطوطُ أمانْ
أُحسُّكِ رغمَ ما فيكِ
كأنكِ قد فرشتِ الأرضَ
من تحتِ البشرْ ..
أحضانْ
صلاحٌ ما لهُ آخِرْ
وأنتِ كروضةٍ كبرى من الإحسانْ
تصالحتِ معَ الناسِ
فما أغضبتِ في يومٍ هنا إنسانْ
وما يومًا طلبتِ متاعَ دنيانا
فما شيءٌ على قلبِكْ ..
لهُ سلطانْ
تعلَّقتِ بحبلِ اللهِ في صبرٍ
وكنتِ بكلِّ نائبةٍ لكِ البرهانْ
يجيءُ الفجرُ يسألُني
يدقُّ البابَ في خجلٍ
كطفلٍ تائهٍ حيرانْ
ويجلسُ ينزوي وحدَهْ
ويسألُ عنكِ يا أمي
فصوتُ مؤذنِ الفجرِ
هنا قد حانْ
فلا صوتٌ لهذا البيتِ من بعدِكْ
فأينَ الآنَ همهمتُكْ
بتسبيحٍ وترتيلٍ من القرآنْ
فقدناكِ .. على غِرَّةْ
وسافرتِ ..
ولا ندري لأيِّ مكانْ
لأوَّلِ مرَّةٍ في العمرِ تغتربينَ يا أمي
وسافرتِ ..
إلى الأبدِ ..
بلا استئذانْ

* عبدالعزيز جويدة

من شعر المهجر

يوليو 28, 2008

قضيت حياتي هائما برغائب
تحيّر في تحديد أوصافها فكري
أمدّ يدي أبغي جناها فتختفي
كما تختفي الأسرار في مكمن الصدر
وأهرب منها راضياً بسلامتي
فتترك مأواها وتركض في إثري
طلاسم آمالي تجرعني الأسى
وشوقي إلى المجهول يمعن في قهري
وأصعب أشكال التعاسة وحدةٌ
وحولك لو يرضيك ماشئت من بشر !

في آخر العمر

يوليو 28, 2008

في آخر العمرِ
اكتشفتُ أنني غَريرُ…
وأنني
يمكنني المسيرَ وسطَ النار
دون أن يطالَ بُردَتي السعيرُ…
في آخر العمر اكتشفتُ
أنني الزاهدُ..
والمسرفُ …
والصعلوكُ …
والأميرُ..
وأنني الحكيمُ.. والمجنونُ
واكتشفتُ أنَّ زورقي
أكبر من أنْ
تستطيعَ حملَهُ البحورُ…
وأنني يمكنُ أن تطيرَ بيْ وسادتي
الى فضاءٍ خارج الفضاءِ..
أن يرحل بي السريرُ
نحو حقولٍ
طينُها الياقوتُ والمرجانُ والحريرُ ..
وأنني نهرٌ خُرافيٌّ
إذا مرَّ على القفار قامت واحةٌ
وأعشبتْ صخورُ..
وأنني عصفورُ
فضاؤهُ قصيدةٌ مطلعُها عيناكِ
واكتشفتُ أنني بلا حبِّكِ يا حبيبتي
فقيرُ..
في آخر العمر اكتشفتُ
أنَّ كلَّ وردةٍ حديقةٌ كاملةٌ
وكل كوخٍ وطنٌ
وتحتَ كلِّ صخرةٍ غديرُ …
والناسَ – كلَّ الناسِِ- ما دمتِ معي
عشيرُ..
في آخرِ العمرِ اكتشفتُ
أنَّ قلباً دونما حبيبةٍ
مبخرةٌ ليسَ بها بخورُ …
في آخر العمر اكتشفتُ
أنَّ لي طفولة ضائعةٌ
جاءَ بها حبُّكِ
فاستعدْتُ ما أضاعهُ المنفى
وما خبّأهُ عن زمني الدَّيجورُ…
في آخر العمر اكتشفتُ
أنني سادِنُكِ الناسكُ .. والخفيرُ…
أركض في روضِكِ
أصطادُ الفراشاتِ التي
أثمَلها في ثَغركِ العبيرُ..
أحرس يا حبيبتي حمامتي صدركِ
حين تقربُ الصقورُ …
في آخر العمر اكتشفتُ
أنني طفلُكِ يا سيدتي الطفلةُ
طفلٌ عاشقٌ ..
دميتُهُ ربابةٌ ..
ملعبُهُ الحصيرُ..
فلا تلومي الطفلَ
حين يستفزُّ شَوكَهُ الحريرُ

يحي السماوي