إلى حيث يصعد المطر !

تنزيل (4)

 

 

الكتاب : الحزام

المؤلف : أحمد أبو دهمان

التصنيف : رواية

الناشر : دار الساقي

الأشياء لا تبدو جميلة جداً إلاّ حين تكون بعيدة , أو مفقودة .. أو على وشك أن تُفقد !
هذا ما حدث للمؤلف و لكل من قرأ “الحزام “و عشقها و ما يحدث لي الآن مع كل شي هنا … هذه الرواية كانت في بيتنا منذ أن صدرت منذ سنوات عدة .. لكنني تصفحتها سريعاً .. وكنت أهتم حينها بقراءة النقد عنها و لا أنوي قراءتها أبداً .
وأسبابي هي المعتادة … لا أثق كثيراً بالأعمال التي تثير ضجة انفعالية و تبدو كما لو أنها معجزة الزمان … أيضا شعرت بأن عقدة نقص ما تجاه الغربيين عموما والفرنسيين على وجه الخصوص وإعجابهم بهذا العمل هو ما جعلنا هنا نحتفي بها بهذا القدر و نجعلها حديثنا الذي لا يُملّ النقاش فيه .
قبل فترة قصيرة قرأت روايةَ استوقفتني كثيراَ .. وجعلتني أعيد ترتيب كثير من قناعاتي – رواية “بلدي ” لرسول حمزاتوف- .. العمل كبير وصفحاته كثيرة جداً .. و رغم أنه لا يوجد به تلك الأحداث المثيرة التي تشدك و تجذب انتباهك لكنني رغم ذلك لم أستطع أن أتوقف عن قراءته حتى أتممته .
وفي كل صفحة منه أجدني أختنق بذات الأسئلة :
هل من الممكن أن تكون قريته بهذا الجمال ؟
هل هناك في العالم مكان أو سكان على هذا القدر من الجمال و الحكمة ؟
حسنا قد لا يكون كذلك .. و واقع الأمر انه هو يستطيع بعين الشاعر أن يراهم بهذه الصورة الجميلة ..
ولكن كيف استطاع ؟
لماذا لم أستطع أنا أن أتعلم حب المكان هنا كما فعل هو ؟ .. لماذا أعجز عن أن أرى جبالنا كقصائد كما فعل هو ؟!
الجواب كان في سطور حمزاتوف حين قال أن: “الشاعر وحده يستطيع أن يحب حباً جميلاً “.
أن يحيل المكان العادي إلى أسطورة والمرأة العادية إلى خرافة ..هذا ما فعله بقريته .. و ما فعله ابو دهمان بقريته هنا تماماً !
أحالها إلى أسطورة .. إلى أغنية .. و كما قال القصيبي أيضا أحال أهلها إلى فلاسفة ينطقون حكمة و غناء طوال الوقت !
سيكون حكمي متطرفاً جداً لصالح العمل .. بتأثير حبي الفطري للمكان أولاً , و لأنني ثانياً لم أصحُ بعد من نشوتي بعد قراءتها .. أسلوبه أدهشني .. لم أتوقع أن يكون العمل عميقاً بهذا القدر .. كنت أظن أنه مجرد وصف لعادات القرية … بطريقة شعرية لجذب انتباه الفرنسيين لذلك المكان القاصي في جبال السروات النائية .
لكن ما وجدته كان أعمق بكثير .., هل سأكون متطرفة جداً أن قلت أن فلسفته قريبة من فلسفة كويلو ؟!
الروائي الناجح هو الذي يقدم عملاً محلياً ببُعد أنساني يشعر به من في أقصى الأرض كما سيشعر به من يسكن معه في المكان ذاته … وهذا ما فعله ابو دهمان تماماً , كما قال لصالح عزاز يرحمه الله .. وجد بذكاء ذلك الخيط الإنساني الذي يجذب ويأسر أي إنسان لهذا العمل أياً كانت جنسيته أو لغته الأم .
فلسفته كانت التغني بتلك الحياة الفطرية , بتلك القوانين الأخلاقية التي كانت تحكم الناس في قريتهم الصغيرة , تجعلهم فخورين بكل شيء يخصهم , ومنتمين بشدة للأرض و للجبل .
تغنى شعراً .. بتلك البساطة .. بالعلاقات الإنسانية الطبيعية التي كانت سمة تلك المجتمعات البسيطة قبل أن تزحف المدينة و تجلب معها التطرف في كل شيء بأسماء مختلفة و وصايات بشرية ملوَنة .
في صفحات العمل \ القصيدة النثرية او الرواية أياً كان مسماها .. في طياتها سرد الأحداث بخفة ظل , بذكاء .. و خلط الوقائع بالأساطير إلى الدرجة التي يختلط فيها عليك إين انتهى الواقع و أين بدأت الأسطورة .
الكثير من الحكايات التي رواها حدثت فعلاً .. و معظم الأساطير التي زين بها صفحات الحزام هي فعلاً جزء من ذاكرة المكان هنا و من ثقافته وأساطيره .
هو بعيد .. بعيد جداً عن قريته التي ماعادت قرية .. أثق أن أبيات بلند الحيدري هذه تحكيه تماماً :
لمن أعود وقريتي أمست مدينه
في كل منعطف ضياء
في كل زاوية ضياء
في كل مرمى خطوة ضوء لمصباح جديد
سيصيح بي :
_ ماذا تريد … ؟ ماذا تريد
يا أيها الظل الشريد
ماذا تريد … ؟
لا شيء يعرفني هنا
لا شيء اعرفه هنا
لا شيء اذكره ولا أشياء تذكرني … هنا
سأجر خطوتي الصغيرة في شوارعها
الكبيرة
ولسوف تسحقني الأزقات الضريرة
لا …
لن أعود لمن أعود
فقريتي أمست … مدينه
أمست مدينه *

بُعده ساعده في رسم هذه الصورة الأسطورية الجميلة لقريته النائية التي ماعادت قرية أبداً .
و غربته الطويلة منحته المقدرة الثقافية على تخليدها بهذه الطريقة الذكية في رواية \ أسطورة \ قصيدة !
بقدر ما غبطت الداغستانيين على رسول حمزاتوف بقدر ما شعرت بالفخر والفرح بعد أن قرأت ” الحزام ” .. ممتنة أنا جداً لهذا الأحمد

*أجمل صدفة أني قرأت الرواية و الدنيا تمطر … و كتبت الرد وهي تمطر … المطر كان مختلف هذه المرة ما كان يهبط .. كان يصعد .

11\4\ 2008

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s